ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
371
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
يأخذ في إصلاح نفسه وتهذيبها في جميع أحواله في أفعاله وأقواله ، فإنه متى قدر على سياسة نفسه كان على سياسة غيره أقدر . ولذلك قيل : لا ينبغي لعاقل أن يطمع في طاعة غيره وطاعة نفسه ممتنعة . أتطمع أن يطيعك قلب سعدى * وتزعم أن قلبك قد عصاكا وقد تزيّن نفس الإنسان له حسن الظن بها ، فيعتقد أنه متصف بمحاسن الأخلاق ، فيعرض عن تفقد أحوال نفسه ويرضى بكل ما صدر عنه من غير رعاية لما مر ، فيبقى مصدودا مطرودا عن قرب السعادة الأبدية والفوز باللذة السرمدية ، فيكون ممن زين له سوء عمله فرآه حسنا ، فيصير عقله لهواه مرتهنا ، فلا يشعر إلّا وقد أشرف به الصلف على التلف ، ومتى استظهر على هذه الحالة من مبدأ أمره فقطعها وأجبت عروقها وقلعها انقلبت أخلاقه الذميمة حميدة ، وطرائقه المتباينة سعيدة ، ولا يدرك هذا الاستظهار بعين اليقين إلّا إذا أحاط علما بأسباب التزيين ، وهي خمسة ذميمة عاقبة كل منها مشؤومة . الأول : الكبر وهو جالب بسخط اللّه ( تعالى ) قال ( تعالى ) : كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ « 1 » وقال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حاكيا عن اللّه ( تعالى ) : « الكبرياء ردائي والعظمة إزاري ، فمن نازعني واحدا منهما أدخلته النار » ، وفي رواية أخرى : « فمن نازعني شيئا منهما فصمته » ، ومعنى الكبرياء الترفع عن الانقياد لغيره واحتياج الخلق إليه واستغناؤه عنهم ، ومعنى العظمة شرف الذات وعلو الرتبة ، والمعنى أن هذين الوصفين مختصان به ( تعالى ) ، فلا يليق لأحد من خلقه تعاطي شيئا منهما كما لا يشرك الإنسان فيما هو لابسه من الإزار والرداء أحد . وقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر » . الثاني : العجب وهو من المهلكات ، قال اللّه ( تعالى ) : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ « 2 » وقال عليه السّلام : « ثلاث مهلكات : شح مطاع ، وهوى متبع ، وإعجاب المرء بنفسه » . والكبر ينشأ عن رؤية النفس واعتقاد عظم المنزلة وعلو المكانة ونفاذ الأمر وقلة رؤية الأمثال والاكفاء ، فيكون سبب الكبر حضور أوائل هذه الأشياء في النفس ، فإن أصرّ عليها كان متكبرا ، فإن تشبع منها أو أمر بضدها فأصرّ عليها كان مستكبرا ، ولهذا
--> ( 1 ) - غافر : 35 . ( 2 ) - التوبة : 25 .